محمد جواد مغنية

60

في ظلال نهج البلاغة

هذه اللغات ، والألسن المختلفات . فالويل لمن جحد المقدّر وأنكر المدبّر . زعموا أنّهم كالنّبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع . ولم يلجئوا إلى حجّة فيما ادّعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا . وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان . وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين . وأسرج لها حدقتين قمراوين . وجعل لها السّمع الخفيّ ، وفتح لها الفم السّويّ ، وجعل لها الحسّ القويّ ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض ، يرهبها الزّرّاع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها . ولو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه شهواتها . وخلقها كلَّه لا يكون إصبعا مستدقّة . فتبارك الَّذي يسجد له من في السّموات والأرض طوعا وكرها ، ويعنو له خدّا ووجها ، ويلقي إليه بالطَّاعة سلما ، ويعطي له القياد رهبة وخوفا . فالطَّير مسخّرة لأمره . أحصى عدد الرّيش منها والنّفس ، وأرسى قوائمها على النّدى واليبس . وقدّر أقواتها ، وأحصى أجناسها . فهذا غراب وهذا عقاب . وهذا حمام وهذا نعام . دعا كلّ طائر باسمه ، وكفل له برزقه . وأنشأ السّحاب الثّقال فأهطل ديمها وعدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جدوبها .